موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
القديس فرنسيس الأسيزي
القديس فرنسيس الأسيزي
سنوات مضيئة من حياة القديس فرنسيس الأسيزي
15/11/2008 03:34:55 م
قراءة المزيد

 1182
ولد فرنسيس لوالديه "بطرس برناردونه" والسيدة "بيكا", ويوم معموديته أطلقت عليه أمه اسم يوحنا، لكن والده عاد من رحلة تجارية ناجحة في فرنسا فبدل اسمه إلى فرنسيس.

 1202
المواجهات العسكرية بين قوات مدينة أسيزي ومدينة بيروجا, والهزيمة المرة لفرسان أسيزي، ووقوع فرنسيس في الأسر لمدة سنة تقريبًا حيث مرض فتم الإفراج عنه.

1205
استمرت رغبة فرنسيس ليصير فارسًا، فقرر الانضمام إلى قوات الكونت "جنتيلة"، في مدينة سبوليتو. وهناك، رأى فرنسيس في الحلم رؤية عجيبة, فعاد إلى أسيزي لكن بروح مختلف وعقل مشغول بأفكار أخرى. أخذ يتقرب للفقراء والمرضى والمحتاجين.

1206
قابل فرنسيس رجلاً فقيرًا في الطريق، فتبادل معه الملابس ووقف يستجدي المساعدة، مختبرًا إحساس الفقير الذي يمدُّ يده طالبًا الصدقة.
ذات يوم، دخل فرنسيس كنيسة القديس دميانو القديمة ليصلي، فحدثه المصلوب قائلا: "يا فرنسيس اذهب وأصلح كنيستي"؛ فأصبح مرمم كنائس، وكان يرتدي ثوبًا يشبه ملابس النساك, فسخر منه أهل المدينة واعتبروه شابًا مخبولا. ثار والده من جراء تلك التصرفات، خاصة وأن فرنسيس قد أخذ يوزع منسوجات الدكان على الفقراء, فحبسه والده في قبو المنْزل، لكن الأم حررته من السلاسل بعد سفر الأب للتجارة وبذلك تركته حرًا مع أفكاره الجديدة.

1207
تعقدت الأمور بعودة الأب الذي لجأ إلى المحكمة الكنسية طالبًا تنازل ابنه عن الميراث, وأمام الأسقف "جويدو"؛ مطران أسيزي، تنازل فرنسيس عن كل شيء حتى الملابس التي كان يرتديها مع قولته الشهيرة: "حتى هذه اللحظة كنت أدعوك أبي..... لكن الآن أستطيع أن أقول: أبانا الذي في السموات الذي أستمد منه كل خير وثقة". واستقر فرنسيس بجوار كنيسة سيدة الملائكة، التي كانت للرهبان البندكتيين.

1209
في كنيسة سيدة الملائكة، أثناء قدّاس عيد القديس متياس، كانت قراءة الإنجيل من متّى 1:10-13؛ حيث وصايا المسيح لتلاميذه عندما أرسلهم ليبشروا بالإنجيل. طلب فرنسيس من الكاهن أن يفسر له تلك الآيات, ثم صاح متهللا: "هذا ما أتمنى تحقيقه من كل قلبي". وهكذا، فهم بوضوح دعوته وبات يرتدي الملابس الريفية البسيطة، وتمنطق بحبل في وسطه، وكانت تحيته: "الله يمنحك السلام".
انضم بعض الرجال إلى فرنسيس تاركين أملاكهم, وكانت حياتهم إنجيلية تقوم على الصلاة والعمل اليدوي وتشجيع الآخرين على الحياة الصالحة, وكانوا يطلبون إرشادات الأسقف جويدو.

1210
توجه فرنسيس إلى روما بصحبة زملائه الأوائل، ليحصل من البابا "إينوشنسو" الثالث على موافقته على القانون الذي ينظّم حياة هذه الجماعة, وكان القانون يتكون من بعض الآيات الإنجيلية التي تنظم الحياة. في تلك الليلة، حلم البابا بأن كاتدرائية اللاتيران- المقر البابوي- تتداعى وتكاد تسقط، وهناك رجل فقير ضئيل الجسم يسندها بكتفيه. في اليوم التالي، أمر البابا بإعطاء فرنسيس وزملائه موافقته وبركته الرسولية, وتعهد فرنسيس بالطاعة والاحترام للبابا والكنيسة.

1211
السيدة "أروتولانا" والدة "كلارا" الأم التقية، كانت تربي بناتها تربية مسيحية صالحة, وبشهادة زميلات كلارا أنها كانت فتاة متواضعة القلب ومتذوقة للصلاة ومتعاطفة مع الفقراء. عندما بلغت السابعة عشرة من عمرها أراد والدها أن يزوجها، لكنها رفضت هذا العرض، إذ كانت تشعر بنداء آخر في قلبها، وكانت على اتصال بفرنسيس بحضور صديقتها المخلصة "بونا". وأثناء زمن الصوم الأربعيني، اتفقت كلارا مع فرنسيس على اليوم الذي ستودّع فيه حياة القصور, وتمّ ذلك عندما ارتدت كلارا الثوب الرهباني بين يدي فرنسيس وزملائه في كنيسة سيدة الملائكة. وهكذا، بدأت الرهبنة الفرنسيسكانية الثانية أو راهبات الكلاريس, وأقامت كلارا في دير الراهبات البندكتيات، والتحقت بها أختها "أنييسه"، وبعض فتيات العائلة والصديقات فانتقلن للإقامة في دير "سان دميانو", وقد كانت هناك محاولات من العائلة لإخراج كلارا وأختها من الدير لكنها فشلت.

1213
في حفل تنصيب أحد الفرسان, ألقى فرنسيس عظة في ميدان المدينة, وبعد العظة التقى بالكونت "أرولاندو كاتانى"، الذي عبر لفرنسيس عن إعجابه بعظته، وأهداه جبل "الفرنا" الذي يبلغ ارتفاعه حوالي 1128 متر. ومنذ ذلك الحين، ارتبط هذا الجبل بحياة فرنسيس ورهبانه، وجعله مقرًا للصلاة والخلوة.

1214
استعد فرنسيس للسفر خارج إيطاليا, فزار فرنسا وإسبانيا، التي منها عزم على السفر إلى أفريقيا للوعظ والتبشير، لكن المرض أجبره على العودة إلى أسيزي ليواصل الوعظ والإرشاد متنقلا من مدينة إلى أخرى.

1215
شارك فرنسيس في أعمال المجمع اللاتيراني الرابع في روما. وخلال هذه الفترة، تقابل مع القديس "دومينكو"؛ مؤسس رهبنة الدومنيكان, وقد اتضح لآباء المجمع تأثير فرنسيس ورهبنته الوليدة، حتى أن الكثير من الكرادلة والأساقفة كانوا يشجعون فرنسيس ورهبانه، لأنهم كانوا يمثلون التزامًا حيويًا للعودة إلى المبادئ الإنجيلية، من خلال حياة التجرد والبساطة والطاعة الصادقة للكنيسة كخاصية تميز الرهبنة الجديدة. أدان المجمع بعض الممارسات المخالفة لتعاليم الكنيسة، مثل إهمال الكنائس خاصة بيوت القربان بها، وتم وضع وصية الاعتراف والتناول الفصحي, وتمت مناقشة أوضاع الأراضي المقدسة التي كان يسيطر عليها غير المسيحيين, وكان لهذه القضايا صدى قوي في قلب فرنسيس, وبدأ يهيئ أفضل رهبانه لينطلقوا للبشارة خارج الوطن.

1217
عيد العنصرة, وكالعادة في كل عام انعقد المؤتمر العام للرهبنة في كنيسة سيدة الملائكة، حيث تم الاتفاق على تأسيس أديرة جديدة خارج إيطاليا. وبسبب ازدياد عدد الرهبان، تمّ التقسيم الإداري إلى مقاطعات، وعلى رأس كل مقاطعة رئيس إقليمي.

1219
حل عيد العنصرة حاملاً الكثير من المبادرات التي أدت إلى نمو الرهبنة وتثبيت أقدامها, فقد استطاع الكاردينال "أوجولينو" أن يحصل للرهبان على التوصية التالية من البابا "أنوريو" الثالث: "من الأسقف أنوريو خادم خدام المسيح.... إلى الأخوة المحترمين رؤساء الأساقفة والأساقفة.... تحية وبركة رسولية, حيث أن الأبناء الأحباء؛ فرنسيس ورهبانه الأخوة الأصاغر، الذين اختاروا طريقة حياة إنجيلية مُعتمدة من الكنيسة الكاثوليكية، وعلى مثال الرسل ينتشرون في أرجاء المسكونة, نرجوكم وننصحكم في الرب ونوصي، بهذه الرسائل الرسولية، أن تستقبلوا هؤلاء الرهبان وتوفروا لهم حمايتكم من أجلنا ومن أجل المسيح".

بهذه التوصية البابوية، انطلق الرهبان إلى مناطق عديدة من العالم, أما فرنسيس فما زالت تلح عليه فكرة السفر إلى الشرق. وحانت الفرصة، فانطلق من ميناء "أنكونا" في شهر يونيو (حزيران)، متوجهًا إلى الشرق على متن إحدى السفن الصليبية, ووصل إلى مصر حيث استقر في معسكر القوات الصليبية في مدينة دمياط، وفي حضور الكاردينال مندوب البابا. في مصر، نصح فرنسيس القادة بعدم الهجوم العسكري، واللجوء إلى الحوار، والتوصل إلى سلام يرضي جميع الأطراف, لكنهم أهملوا نصيحته وكانت هزيمتهم مخيفة. طلب فرنسيس من مندوب البابا أن يسمح له بمقابلة السلطان، لكن طلبه قوبل بالرفض خوفًا عليه، ولكن المندوب عاد ووافق على الطلب بعد إلحاح من فرنسيس الذي اصطحب معه أحد الرهبان. وعلى عكس التوقعات، استقبله السلطان بكل مودة وترحاب، حتى أن فرنسيس استطاع أن يحصل على تصريح له ولرهبانه بالاستقرار في مصر، وباقي أرجاء البلاد الخاضعة للسلطان بما فيها فلسطين حيث الأماكن المقدسة. وهكذا، كانت مقابلة فرنسيس مع الملك الكامل الأيوبي؛ سلطان مصر بداية سهر الرهبان الفرنسيسكان على حراسة الأماكن المقدسة.

إن زيارة فرنسيس للأماكن المقدسة عام 1219، قد شملته بجاذبية روحية لا تقاوم، ويقال إنه احتفل بعيد الميلاد في بيت لحم, وبعيد البشارة في الناصرة, وبأسبوع الآلام والقيامة في القدس, وعندما نتأمل حادث "جريتشو"  عام 1223, والجروحات على جبل "الفرنا" 1224، نتأكد من قوة الأحاسيس التي عاشها فرنسيس أثناء زيارته للأماكن المقدسة. كانت أمور الرهبنة في إيطاليا تهتز, إذ وصلته أخبار عن بعض المشاكل فقرر العودة.
 
1220
عند عودته علم فرنسيس بنبأ استشهاد رهبانه الخمسة في المغرب فكان تعليقه: "الآن أستطيع القول بأن لدي أخوة أصاغر حقيقيين". ثم توجه لمقابلة البابا "أنوريو الثالث"، وطلب موافقته على الأمور التالية: على كل من يريد الانضمام إلى رهبنة الأخوة الأصاغر أن يؤدي عام الابتداء، وذلك لاختيار أفضل الأشخاص, وإن من ينضم إلى الرهبنة لا يمكنه تركها إلا بتصريح قانوني, وكل من يرتدي الثوب الفرنسيسكاني سيعاقب بشدة إن لم يحفظ الطاعة للرهبنة وللكنيسة, مع الالتزام الكامل بالقانون.

كان فرنسيس قد أصيب بمرض شديد في عينيه أثناء زيارته للشرق, ولأسباب أخرى أتخذ قرارًا صعبًا ألا وهو الاستقالة من رئاسة الرهبنة، وأوصى أن يكون الأخ "بييترو كاتاني" هو الرئيس, لكنه توفي فخلفه الأخ إيليا, ورغم استقالة فرنسيس فقد ظل الأب الروحي والمشرع الحقيقي للرهبنة.


1221
أدرك فرنسيس الظروف المستجدة في الرهبنة، التي زاد عدد أفرادها واتسع نطاقها في كافة الأنحاء, فأخذ يعيد النظر في القانون الأول المعتمد شفويًا من البابا أينوشينسو الثالث, وكلف الأخ شيزاريو، المتخصص في الكتاب المقدس، أن يزود القانون بالعديد من الشواهد الإنجيلية المناسبة لتوضيح المعاني التي صاغها فرنسيس بأسلوب سهل وبسيط. في أيار، عقد المؤتمر العام في كنيسة سيدة الملائكة, المعروف بـ"اجتماع الحُصر"، وقدم فرنسيس قانونًا مكونًا من 23 فصلاً مع بعض الإضافات، لكن جوهر القانون الأول بقي كما هو واعتمده البابا له ولرهبانه الحاليين والآتين، وتعهد فرنسيس وكل من يتولى الرئاسة بالطاعة والخضوع للبابا وخلفائه. كان عدد أعضاء "اجتماع الحُصر" حوالي 5 آلاف راهب إلى جانب الأساقفة, ونظرًا لعدم وجود أبنية كافية لإيواء هذا العدد الكبير، تمت إقامة معسكر في الخلاء، وكان الرهبان يأكلون وينامون في أكواخ مجهزة بالحُصر.

في نفس العام، شرع فرنسيس، بالتعاون مع الكاردينال "أوجولينو"، في وضع تحديد قانوني للرهبنة الثالثة للعلمانيين، التي بها حقق فرنسيس أمنية كبيرة كان يحلم بتحقيقها، ألا وهي دعوة العلمانيين إلى حياة مسيحية تجدد المجتمع حسب روح الإنجيل في ظروف حياتهم العملية.

"توما الشيلاني"؛ المؤرخ الفرنسيسكاني المعاصر لفرنسيس، كتب عن ازدهار الرهبنة الثالثة قائلا: كثير من المؤمنين نبلاء وعامة, إكليروس وعلمانيين, اندفعوا لاتباع طريقة فرنسيس حيث وجدوا عنده أسلوب حياة يناسب كلا منهم حسب ظروفه الخاصة في المجتمع.

 

1223
تتواصل جهود فرنسيس كي يعطي رهبنته الصفة القانونية, فقد أكد في قانون 1210 و 1221 على أصالة مفهومه للحياة الإنجيلية, وأوضح الكاريزما المميز لرهبانه. وجاء قانون 1223 كتتويج لجهود فرنسيس للحصول على الختم البابوي، الذي تمّ على يد البابا "أنوريو الثالث"، وهو القانون الذي تلتزم به الرهبنة الأولى بفروعها الثلاثة: الأخوة الأصاغر والكونفنتوال والكبوتشيين. وبذلك، حصل فرنسيس لرهبنته الأولى على وضع قانوني مكتوب ومسجل من الكرسي الرسولي.

عيد ميلاد تاريخي: في مدينة "جريتشو" الجبلية، أراد فرنسيس أن يحتفل بذكرى ميلاد المسيح بطريقة احتفالية حية؛ فطلب من أحد نبلاء المنطقة أن يهيئ له مغارة تجسد الفقر والعوز الذي ولد فيه المسيح في بيت لحم، وأكد عليه عدم إغفال الحمار والثور. تجمع الرهبان والمؤمنون ليلة الميلاد، وأضاءت المشاعل أرجاء الغابة التي امتلأت بأصداء ترانيم الميلاد. وأثناء القداس، رتل فرنسيس الإنجيل وألقى عظة من القلب حول الملك الفقير. وفي لحظة سماوية أثناء كلام التقديس، شاهد الجمع ظهور طفل لا تقوى الحواس البشرية على وصف جماله, وحمله فرنسيس بين ذراعيه وهو يشع فرحًا وسلامًا.

1224
من مدينة جريتشو ومزودها إلى جبل الفرنا وسمات المصلوب, ففي أواخر الصيف طلب فرنسيس من رهبانه المقربين أن يصطحبوه إلى جبل الفرنا لقضاء زمن الصوم في الصلاة والخلوة وأوضح لزملائه كيفية قضاء هذه الفترة قائلاً: إنني أشعر باقترابي من أخي الموت، وأريد أن أختلي وحدي أمام الله لأبكي خطاياي. واستغرق في التأمل والصلاة في إحدى المغارات, وكان هناك صقر اعتاد أن يوقظه، ضاربًا مدخل المغارة بجناحيه، كل فجر ليصلي صلاة باكرة.

أورد الأخ ليون، الذي كان يأتيه بالخبز والماء، أن فرنسيس صلى في أحد الأيام قائلا: سيدي يسوع المسيح أرجو منك نعمتين قبل موتي, الأولى: أريد بقدر احتمالي أن أشعر في روحي وجسدي تلك الآلام التي عانيت منها على الصليب, والثانية: أن أحس في قلبي ذلك الحب اللا محدود الذي جعلك تتحمل هذه الآلام من أجلنا نحن الخطأة.

وتأتي اللحظة السامية, ففي ذات صباح وبينما فرنسيس يصلي على طرف الجبل، شاهد ساروفيم ذا ستة أجنحة آتيًا من السماء، واقترب منه فرأى  هيئة المصلوب بين أجنحة الساروفيم, هذه الرؤيا أضرمت قلبه بشعور إلهي عجيب، وتركت في جسده آثار الجروحات المقدسة في يديه وقدميه وجنبه الأيمن.

بعد عيد الملاك ميخائيل، استعد فرنسيس للعودة إلى كنيسة سيدة الملائكة، وقبل أن يتوارى الجبل عن نظره التفت نحوه وقال: وداعًا يا جبل الفرنا... وداعا يا جبل الملائكة, أشكرك يا أخي الصقر لعنايتك بي... وداعًا أيتها الصخور لاحتوائك إياي في خلوتي, وداعًا... لن أراك ثانية أيها الجبل.

عاد فرنسيس إلى أسيزي يحمل في جسده صورة المسيح المصلوب, لكنها ليست من صنع فنان على القماش أو الخشب, بل صورة طبعها الله القدير في جسد فرنسيس.

 

1225
اكتشف فرنسيس الجمال والخير والسلام والانتماء لله في كافة عناصر الخليقة, وكان يحذّر الرهبان، عندما يجمعون الأخشاب من الغابة للطهو والتدفئة، بألا يقطعوا الأشجار من جذورها كي تزهر وتعطي أغصانًا مرة أخرى. وفي فصل الشتاء القارص، كان يضع العسل في خلايا النحل كي لا يموت مجمدًا, وخاطب العصافير ودعاها لتمجيد الله الخالق. وفي إحدى المرات، تنازل عن ثوب الشتاء لأحد الرعاة مقابل حملين كي لا يذبحمها. إلى جانب الجروحات، عانى فرنسيس من فقدان شبه كامل للبصر, وآلام شديدة في المعدة، ورغم ذلك واظب على الصوم والإماتة, ودعته كلارا للإقامة في دير سان دميانو لتعتني به هي وراهباتها؛ فأقام في كوخ من أغصان الشجر في حديقة الدير. وذات ليلة، امتلأ الكوخ بالفئران؛ ممّا أفقده الراحة والهدوء لكنه تحمل بصبر كبير, وفي الصباح ألف نشيد الخلائق كترنيمة شكر وحمد لله.

1226
كانت بداية فرنسيس عام 1206، مع كلمات مصلوب سان دميانو, وها قد انقضت عشرون سنة عليه منذ أن كرس حياته لله والإنجيل, وأسرته الفرنسيسكانية منتشرة في أنحاء كثيرة من العالم ومتمسكة بتعاليمه ومثاله الصالح؛ فالرهبان يعيشون من ثمرة عملهم ويساعدون القرويين في الحقول والمزارع، ويخدمون مرضى البرص في المصحات، ويعظون بلغة شعبية بسيطة، ويصلون معا صلوات الفرض الإلهي طبقًا لطقوس الكنيسة، ويرفضون أشكال الملكية الخاصة. ومن وقت لآخر، يختلون في مجموعات صغيرة طلبًا للهدوء والاتصال بالله على جبل الفرنا.

تدهورت صحة فرنسيس، وتمّ علاجه بعملية كيٍّ بالنار فوق عينيه وعنها قال: بالحقيقة لم أشعر بسخونة النار وآلامها في جسدي, لقد كانت الأخت النار رفيقة بي. انتفخت أحشاؤه وساقاه، وزادت آلام معدته حتى لم يعد يستطيع تناول الطعام، وتم استدعاء الطبيب ليعالجه فعرف أن نهايته وشيكة، وطلب من رهبانه أن ينقلوه إلى سيدة الملائكة إذ أحب أن ينهي حياته الرهبانية حيث بدأها في أسيزي.

أخيرًا، وفي مساء اليوم الثالث من أكتوبر (تشرين الأول)، وكرغبته في الموت عريانًا على مثال المسيح، طلب فرنسيس من رهبانه أن يعروه وأن يضعوه على الأرض العارية، ثمّ التفت إليهم وألقى عليهم وصيته الأخيرة، وباركهم جميعًا حتى المنتشرين في أنحاء العالم, ثم طلب أن يقرأ أحدهم إنجيل الآلام للقديس يوحنا. وبعد ذلك، بدأ يصلي بصوت ثابت المزمور 141 :"بصوتي إلى الرب أصرخ, بصوتي إلى الرب أتضرع.... أخرج من الحبس نفسي لكي أعترف لاسمك, يحيط بي إكليل من الصديقين حيث تكافئني".

وبعدها تلاشى صوته إلى الأبد، وتحررت روحه من جسده وصعدت إلى خالقها حيث السعادة الأبدية. في اليوم التالي، أعد الرهبان جثمان أبيهم الراحل لوداعه, واتجه موكب الوداع إلى كنيسة سان جورج بأسيزي، التي قبل فيها فرنسيس سر المعمودية. وهكذا، تمت مراسم دفنه في كنيسة الرعية.

1227
تم انتخاب الكردينال أوجولينو باسم البابا "غريغوريوس التاسع"، وهو الذي كانت تربطه بفرنسيس صداقة عميقة، إذ ساعده على تحقيق ما كان يهدف إليه من أفكار إنجيلية، وكان من أول اهتمامات البابا الجديد العمل على إعلان قداسة فرنسيس. ولم يستغرق الإعلان وقتًا طويلاً، لأن قداسة البابا كان من أقرب الشهود الذين عاينوا السيرة الصالحة لفرنسيس، منذ أن كان يشغل منصب كاردينال أسيزي، وكان في نفس الوقت المحامي الأمين للرهبنة الوليدة أمام الحبر الروماني في روما.

1228
في السادس من يوليو "تموز"، ومن على مذبح كنيسة الرعية بأسيزي، أعلن البابا غريغوريوس التاسع بنفسه رف فرنسيس إلى مصاف القديسين, وحدد يوم الرابع من أكتوبر (تشرين أول) عيدًا للاحتفال بذكرى القديس فرنسيس الأسيزي. وفي اليوم التالي، وضع البابا حجر الأساس لكاتدرائية القديس فرنسيس لتكون المثوى الأخير الذي يضم رفات قديس الإنجيل الفقير.

1230     
عشية عيد العنصرة، أقيم احتفال كبير بمناسبة نقل رفات القديس فرنسيس من كنيسة الرعية إلى الكنيسة الجديدة، بحضور أكثر من ألفَي راهبٍ، وترأس الصلوات مندوب البابا، وجمع غفير من المؤمنين أصدقاء القديس الذي كان لهم خير قدوة إنجيلية.

 
1978
في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني)، زار البابا يوحنا بولس الثاني، الذي تمّ انتخابه في نفس العام، مدينة أسيزي. وأثناء القداس، ألقى بعظة جاء فيها: "ها أني في أسيزي لزيارة القديس فرنسيس، شفيع البلاد التي دعاني الله إليها لأخدم الكنيسة الجامعة كخليفة للقديس بطرس. إني لم أولد جسديًا على تراب هذا البلد، لكني أشعر بحاجتي للولادة الروحية فيه. لذلك؛ جئت إلى أسيزي بين يدي فرنسيس الذي جسد عمليًا تعاليم الإنجيل لأبناء جيله ولجميع الأجيال. البابا الذي يتولى المهام الرعوية للكنيسة الجامعة في كافة أنحاء العالم، يحتاج لشفاعة القديس فرنسيس؛ لذلك أتيت لزيارة المدينة التي شهدت مولد موهبة عظيمة من مواهب الروح القدس. إن الشهادة الفرنسيسكانية تمتد إلى بقاع كثيرة خارج إيطاليا، ومنها بولونيا حيث ولدت, فعندما كنت رئيس أساقفة مدينة "كراكوف"، كانت إقامتي بالقرب من كنيسة فرنسيسكانية قديمة جدًا، وكثيرًا ما كنت أصلي فيها القداس ودرب الصليب والمسبحة، أمام هيكل العذراء سيدة الأوجاع. إنها لحظات تعيش حية في ذاكرتي حتى الآن.

 

نلاحظ أن فرنسيس وأفكاره التي انتقلت منذ ثمانية قرون تقريبًا، ما زالت تتوهج لمعانًا ينير الطريق لجميع القلوب التي تسعى للخير والسلام والحق دون تفرقة.