موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
العبور إلى الرجاء - الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني
العبور إلى الرجاء - الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني
لم هذه الأديان كلها؟
11/06/2011 05:55:46 م
قراءة المزيد

العبور إلى الرجاء                    Varcare la soglia della speranza 

لِمَ هذه الأديان كلُّها؟

ولكن، إذا كان الله الذي في السماء، والذي خلّص العالم ولا يزال يخلّصه، واحداً، وإذا كان هو الذي تجلّى بيسوع المسيح، فلماذا سمح بهذا المقدار من الأديان المختلفة؟
ولماذا جعل طَلبَ الحقيقة بهذه الصعوبة، وسط تشابك العبادات و المذاهب والرؤى والمعتقدات التي تتوافر ناميةً، منذ القدم وحتّى اليوم، بين شعوب الارض كلّها؟

إنّك تشير إلى تعدّدية الأديان. وأنا أودّ، بالأحرى، أن استخرج ما لهذه الأديان من تلاقٍ أساسيّ جوهري، ومن أصل مشترك.
إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني حدّد علاقات الكنيسة مع الأديان غير المسيحيّة في وثيقة مميّزة تبدأ بالعبارة الآتية: "في عصرنا". إنّه نصّ وجيز، ومع ذلك فهو غنيّ جدّاً، إذ يسترجع، بأمانة، شهادة التقليد. وما يُقَرأ فيه يتوافق وفكرة آباء الكنيسة منذ أقدم العصور.
لقد اضطلع الوحي المسيحيّ، منذ نشأته، بتاريخ الإنسان الروحيّ، آخذاً في الحسبان، بطريقة أو بأخرى، الديانات كلّها، مبرزاً بذلك وحدة الجنس البشريّ أمام مصير الإنسان النهائيّ والأبديّ. ولقد استذكرت الوثيقة المجمعية هذه الوحدة مشيرةً بذلك إلى بحث ما اختصّ بعصرنا من تقارب الإنسانيّة ووحدتها، بما له صلة بالوسائل التي هي بمتناول مدنيّتنا. وتعترف الكنيسة، في ما آلته على نفسها من أمر هذه الوحدة، بالواجبات المترتبّة عليها: "ذلك بأنّ جميعَ الشعوب يؤلفون أسرةً واحدةً: فهم جميعُهم من أصلٍ واحدٍ إذ أسكن الله الجنسَ البشريّ كلّه على وجه هذه الأرض (1)، ولهم جميعاً غايةٌ قُصوى واحدةٌ، وهي الله الذي يبسط على الجميع كنفَ عنايته، وآيات لُطفه، ومقاصده الخلاصية، إلى أن يجتمع مختاروه في المدينة المقدَّسة التي يُضيئُها مجدُ الله، وفي نوره تَسلُكُ الشعوب جميعاً (2).
"وينتظر الناس من الأديان المختلفة جواباً عن الألغاز الخفيّة لواقع الإنسان التي ما فَتئت في الأمس ولم تفتأ اليوم تُدخلُ القلقَ البالغ على قلب الإنسان: فما الإنسان؟ وما معنى الحياة وغايتُها؟ ما الخير والخطيئة؟ وما أصلُ العذابِ وغايته؟ ما الطريق إلى السعادة الحقة؟ ما الموتُ والدينونةُ، وما الثَّواب بعد الممات ؟ وأخيراً ما السرُّ القصيُّ الذي يكتنفُ وجودنا ويسمُو على الإدراك، وهو المبدأ وإليه المعاد؟
"لا جرَمَ أنَّنا، منذ أقدم الأزمنة حتى يومنا هذا، نَجدُ عند مختلف الشعوب، حساسيّة بهذه القوة الخفيَّة، الحاضرة في مجرى الأشياء وأحداث الحياة البشريَّة؛ بل تصادف أحياناً الاعتراف بإله أسمى، بل بأبٍ. وإنّ هاتين الحساسيّة والمعرفة تؤثرانِ في حياتهم تأثيراً دينياً بالغاً.
وتُحاول الديانات التي نشأت مع تطور الثقافات أن تجيب عن هذه الأسئلة بتحديداتٍ أدق، وتعبير أقربَ إلى الصحة (3).
هنا، تقودنا الوثيقة المجمعية إلى الشرق الأقصى، نحو الشرق الأسيويّ بالدرجة الأولى. قارّة لم يجنِ منها نشاط الكنيسة التبشيريّ، الذي بدأ مذ عهد الرسل، سوى ثمار ضئيلة. إنّ نسبة مئوية ضئيلة من سكّان هذه القارّة الأكبر بين القارّات تعترف بالمسيح.
هذا لا يعني أنّ التزام الكنيسة التبشيريّ لم يكن كافياً. على العكس، لقد كان ولا يزال كثيفاً. ومع هذا فإنّ تقليد الثقافات القديمة السابقة للمسيحية لا ينفكّ يسيطر في الشرق. فإذا كان الإيمان بالمسيح يلامس القلوب والعقول فإنّ صورة حياة المجتمعات الغربيّة، المسّماة مسيحيّة، تشكّل، بالأحرى، شهادة نقيضة، وتضحي حاجزاً هاماً في طريق تقبّل الإنجيل. ولقد ألمح، مراراً، إلى ذلك المهاتماغاندي، وهو هنديّ هندوسيّ. كان ذا روح إنجيلية عميقة، على طريقته الخاصة، وكان يعتبر أن ما يخيب أمله هو التأثير الضئيل على حياة الشعوب الأوربيّة السياسيّة والاجتماعية. فهل كان بمقدور هذا الرجل، الذي كان يجاهد ليحرّر بلاده الشاسعة من التبعيّة الاستعماريّة، أن يقبل بالمسيحيّة على النحو الذي تظهره قوى الاستعمار؟
لقد وعى المجمع الفاتيكاني الثاني هذه الصعوبات. من هنا أهميّة الوثيقة حول العلاقات بين الكنيسة والهندوسيّة وسائر أديان الشرق الأقصى إذ نقرأ فيها: "ففي الهندوكيّة مثلاً يُكبُ الناس على سبر أغوار السر الإلهي  والتعبير عنه بسيل من الأساطير، وبالاجتهادات الفلسفية النافذة. إنهم ينشدون انعتاق واقعنا الراهن من سطوة القلق، إما بالاعتكاف على أنماط من الزُهد والاستجهاد، أو بطريق التأمل العميق، أو بطريق التوجه إلى الله في حبٍ وثقةٍ. أما الوذية، على مختلف صيغها، فإنها تعترف بالنقص الجذري في هذا العالم المتحول، وتُعلّمُ السبيل التي يتمكن الناس بها، بقلبٍ تقيّ واثق، إما من الحصول على الانعتاق الكامل، وإما من الانتهاء إلى الإشراق الأعظم، وذلك باجتهادهم الذاتي، أو بعونٍ من العلاء" (4).
وأبعد من ذلك، فإنّ المجمع يذكّر أنّ "الكنيسة الكاثوليكيّة لا تنبذ شيئاً مما هو في هذه الديانات حقٌ ومقدس؛ وتولي تقديرها باحترام صادق هذه الطرق المسلوكة في العمل والحياة، وهذه القواعد والتعاليم، التي، وإن اختلفت في أمورٍ كثيرة عما تقول به هي وتُعلّمه، تحمل، غير مرةٍ، قبساً من شُعاع الحقيقة التي تنيرُ جميع الناس. غير أنها تُبشر، ويجب أن تُبشر بلا انقطاع، بالمسيح الذي هو "الصراط والحقيقة والحياة" (5) والذي ينبغي أن يجد الناس به اكتمال الحياة الدينية، والذي به تصالح الله مع المخلوقات كلها (6).
ما يقوله المجمع، هنا، يرتكز على القناعة المتجذّرة في التقليد منذ القدم. وهو أنّ "بذور الكلمة" متمثّلة في الديانات جمعاء. إذاً، فالكنيسة تحاول أن تميّز هذه البذور في تقاليد الشرق الأقصى الكبيرة لتستخرج منها نوعاً من محور اهتمام مشترك بين تطلعات العالم العصريّ المعقّدة. ويمكننا أن نؤكّد أن موقف المجمع استُوحيَ، هنا، من اهتمام عالميّ حقيقيّ. فالكنيسة يقودها إيمانها بإرادة الله الخالق لخلاص الناس أجمعين، بيسوع المسيح، الوسيط الوحيد بين الله والناس. إذ إنّه "افتداهم" جميعاً. فالسرّ الفصحيّ معروض للناس أجمعين، ومفتوحة فيه طريق الخلاص للناس جميعاً، من دون استثناء.
ويؤكّد المجمع، في فقرة أخرى، أنّ الروح القدس يعمل بصورة ملموسة حتى خارج الهيكليّة المنظورة للكنيسة (7). إنّه يعمل، بالضبط، انطلاقاً من بذور الكلمة هذه، التي تشكّل نوعاً من جذر أو أصل لخلاص مشترك للأديان كلّها. ولقد سنحت لي الفرصة، مرّات متعدّدة، لأقتنع بهذا، إبّان زياراتي لبلدان الشرق الأقصى، أو حين لقاءاتي، هنا بالذات، ممثّلين لهذه الأديان. وبخاصة في مناسبة لقاء أسّيز التاريخيّ إذ اجتمعنا لنصلّي من أجل السلام.
إذاً، بدل أن نندهش من أنّ العناية الإلهيّة سمحت بهذا التنوّع الكبير للأديان، كان علينا، بالأحرى أن نندهش من عدد العناصر المشتركة بينها.
ولهذا، فمن اللائق ألاّ ننسى كل الديانات البدائّية، الديانات الأرواحيّة التي تضع في المقام الأوّل شعائر الاجداد. فالذين يكرمون هكذا أسلافهم، يبدون أقرب خصوصيّة إلى المسيحيّة، ويجد معهم نشاط الكنيسة التبشيريّ لغةً مشتركةً دون كبير عناء. أليس في احترام مقدّسات الأجداد هذا نوع من التهيّؤ لإيمان المسيحيّين في شركة القدّيسين التي تجعل المؤمنين جميعاً، أحياء وأمواتاً، يؤلّفون جماعة واحدة، أي جسماً واحداً؟
إنّ الإيمان بشركة القدّيسين، هو في نهاية المطاف، إيمان في المسيح، مصدر الحياة والقداسة الأوحد للجميع. إذاً، ليس عجباً أن يُضحي الأرواحيّون الأفريقيون والأسيويّون أمناء للمسيح بسهولة تتجاوز، في كلّ حال، السهولة التي يستلزمها ارتداد أتباع الديانات الكبرى في الشرق الأقصى.
فهذه الديانات، كما يعرضها لنا المجمع، تمثّل ميّزات المذاهب.إنّها مذاهب شعائريّة وخلقيّة في الوقت نفسه، تشدّد بقوّة على الخير والشرّ. وتشكّل الكنفوشيّة الصينية، والطاوية، بالتأكيد، جزءاً منها:  إذ يريد طاو أن يقول "حقيقة خالدة" أي هي شيء يشبه، إلى حدّ ما، "الكلمة" بالمفهوم المسيحي، ينعكس في عمل الإنسان بالحقّ وبالخير الأدبي. لقد مثّلت أديان الشرق الأقصى دوراً هامّاً في تاريخ علم الأخلاق وفي الثقافة، فسمحت بأن يعي سكّان الصين والهند واليابان والتيبت، كذلك شعوب جنوب شرقي آسيا وأرخبيل المحيط الهادي، هويّتهم القوميّة. فلبعض هؤلاء الشعوب ثقافات تعود إلى عهود بعيدة جدّاً. فسكّان أوستراليا الأصليّون يمكنهم أن يفخروا بتاريخ يعود إلى عشرات آلاف السنين. فتقاليدهم السلاليّة والدينيّة أقدم من تقاليد إبراهيم وموسى...
لقد أتى المسيح إلى العالم من أجل هؤلاء الشعوب جميعاً، ولقد "افتداهم" هم أيضاً. من المؤكد أنّه يتبع طرقه الخفيّة لكي ينضمّ لكلّ منهم في المرحلة الأخرويّة الحاليّة لتاريخ الخلاص. وبالفعل، فكثيرون، في هذه المناطق، هم الذين يقبلونه وأكثر منهم مَنْ يؤمنون به إيماناً ضمنيّاً (8).

الحواشي:
1) أعمال الرسل 17 / 26
2) الحكمة 8 / 1؛ أعمال الرسل 14 / 17؛ رسالة القديس بولس إلى أهل روما 2 / 6 – 7؛ رسالة القديس بولس الأولى إلى طيموتاوس 2 / 4
3) في عصرنا، وثيقة مجمعية في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية 1 – 2 (Nostra Aetate).
4) في عصرنا، وثيقة مجمعية في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، 1 – 2
5) إنجيل يوحنا 14 / 6
6) في عصرنا، وثيقة مجمعية في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، 2
7) "نور الأمم"، دستور عقائدي في الكنيسة، 13
8) الرسالة إلى العبرانيين 11 / 6. "وبغير إيمان يستحيل نيل رضا الله، لأنه يجب على الذي يتقرّب إلى الله أن يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يبتغونه" (استشهاد للناشر).