موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
العبور إلى الرجاء - الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني
العبور إلى الرجاء - الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني
هل يُخَلَّصُ العالم كلّه؟
31/05/2011 11:27:54 ص
قراءة المزيد

العبور إلى الرجاء                   Varcare la soglia della speranza 

هل يُخَلَّصُ العالم كلّه؟

لا تجهلون، قداستكم، أنّنا، نحن معشر العاديّين، معرضّون، في غمرة ثقافة اليوم، لعدم فهم المعنى الحقيقيّ لما يقوم عليه المفهوم المسيحيّ للوجود؟
أسألكم، إذاً، ما المعنى المحسوس، في الإيمان، لكلمة "خلاص"؟ وما هذا الخلاص الذي هو قلب المسيحيّة كما تردّدون؟

الخلاص يعني التخلّص من الشرّ. وهذا لا يعني فقط الشرور ذات الطبيعة الاجتماعية كالظلم والقهر والاستغلال فحسب، ولا الأمراض والمصائب، والكوارث الطبيعيّة، وكلّ ما يعتبر مصيبةً في تاريخ البشريّة.
الخلاص يعني التخلّص من الشرّ جذريّاً ونهائياً وحتّى الموت لم يعد يُعتبر شرّاً غير قابل للمعالجة ما دامت القيامة قد تلته. القيامة هي عمل المسيح. فَبِه لم يعد يموت شرّاً ميئوساً منه. لأنّ سلطان الحياة قد تغلّب عليه وقهره. وليس بحوزة العالم سلطان مماثل. فهو يستطيع أن يبلغ الكمال بتقنيّاته العلاجيّة في ميادين مختلفة، غير أنّه يبقى، في النهاية، عاجزاً عن أن يخلّص الإنسان من الموت. لذا لا يمكن، بأيّ شكل من الأشكال، أن نتصوره مصدر خلاص للإنسان. الله وحده يخلّص، يخلّص البشريّة جمعاء بالمسيح. وحتّى اسم يسوع الذي يعني "الله المخلّص" يعلن خلاصنا ويؤكدّه. وكثيرون من بني إسرائيل كانوا قد حملوا هذا الاسم، ولكن يمكن القول إنّ هذا الاسم كان ينتظر ابن إسرائيل الذي عليه أن يؤكّد حقيقته: "ألستُ أنا الرب؟ فإنه ليس من رب آخر لا إله غير إله بار مخلِّص ليس سواي" (1).
الخلاص يعني التخلّص من الشرّ المطلق. فالشرّ ليس فقط غروب الإنسان المتزايد، تبعاً للوقت الذي ينقضي ومع الإنهيار النهائي في لجّة الموت. لأنّ الشرّ، وقد أضحى أكثر تجذّراً، هو رفض الله للإنسان، أي الهلاك الأبديّ الذي هو نتيجة رفض الإنسان لله.
الهلاك الأبديّ نقيض الخلاص، ولكنّه والخلاص مرتبطان بكون الإنسان مدعوّاً إلى الحياة الأبديّة، وكلاهما يفترض خلود الكائن البشريّ. ولا يمكن الموت المؤقّت ألاّ يجعل الإنسان معدّاً للحياة الأبدية.
ما الحياةُ الأبديّة؟ إنّها السعادة التي تنجم عن الاتّحاد مع الله. فالمسيح يؤكّد أنّ "الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقّ وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح" (2). يتحقّق الاتّحاد مع الله في رؤية الكائن الإلهيّ "وجهاً لوجه" (3). وهذا ما يُعى بالرؤية الطوباويّة، لأنّها تلائم مآل الحقيقة الإنسانيّ. إذ يمكن الإنسان بفضل معارفه ما قبل العلميّة ثم العلميّة، أن يتوصّل إلى جزيئات من الحقيقة. ووحدها رؤية الله "وجهاً لوجه" يمكنها أن تسمح له فيتمتّع بفيض الحقيقة كلّه. بهذه الطريقة فقط ترتضي رغبة الإنسان نهائياً ألا وهي: تأمّل الحقيقة.
غير أن الخلاص يذهب أبعد من ذلك أيضاً. فإذ يعرف الإنسان الله "وجهاً لوجه" يلاقي كمال الخير المطلق. وإنّ الحدس الأفلاطوني لفكرة الخير قد وجد في المسيحية تثبيتاً نهائياً في الميدان الفلسفيّ البحت. ولا يعني ذلك اتّحاده بفكرة الخير، بل اتّحاداً بالخير عينه. "ماذا عليّ أن أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟" أجاب المسيح: "لمَ تدعوني صالحاً؟ ما من صالح إلاّ الله وحده" (4). إنّ الله هو اكتمال الحياة لأنه اكتمال الخير. فالحياة فيه ومنه، وليس لهذه الحياة حدود في المكان والزمان "فالحياة الأبديّة" ترتكز على الاشتراك في حياة الله ذاته باتّحاد الآب والابن والروح القدس. وتفسّر عقيدة الثالوث الأقدس الحقيقة حول حياة الله الخاصّة، وتدعو إلى تشهّيها. والإنسان مدعوّ إلى اتّحاد كهذا بيسوع المسيح، ومَقودٌ إليه.
حياة الإنسان الأبديّة هي هذا بالتمام والكمال. يعطي موت المسيح الحياة لأنّه يسمح للمؤمنين بالمشاركة في قيامته. فالقيامة هي تعبير عن الحياة التي تنتصر على الموت وتغلي حدوده. فقبل موته وقيامته أقام المسيح أليعازر من القبر، والحوار الذي سبق ذلك مع أخت صديقه يستحقّ التأمل فيه. فقد قالت مرتا، قبلاً: "لو كنتَ هنا، يا سيّدي، لما مات أخي" وقد أجابها يسوع: "سيقوم أخوك". وردّت مرتا: "أعلم أنّه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير". ولكنّ يسوع أجاب: "أنا القيامة والحياة. من آمن بي وإن مات فسيحيا وكل من يحيا ويؤمن بي لن يموت للأبد" (5).
إنّ هذه الكلمات التي نطق بها، قبل قيامة أليعازر، تعبّر عن حقيقة قيامة الأجساد التي إجترحها المسيح. فقيامته هو، وانتصاره على الموت يجذبان كلّ إنسان. نحن كلّنا مدعوّون إلى الخلاص، أي إلى المشاركة في الحياة التي تجلّت في قيامة المسيح. وبحسب القديس متى فإنّ هذه القيامة يجب أن يسبقها الحكم على أعمال البّر التي أتممناها أو أهملناها (6). ويلي هذا الحكم دعوة الصالحين إلى الحياة الأبديّة، وإحالة الملاعين إلى الهلاك الأبديّ، إلى الانفصال النهائيّ عن الله، إلى طلاق المشاركة مع الآب والابن والروح القدس. وهذا ليس معناه أنّ الله يرفض الإنسان بقدر ما أنّ الإنسان هو الذي يرفض الله.
إنّ إمكان الهلاك الأبديّ مؤكّد في الإنجيل دون أيّ لَبْس أو إبهام. ولكن إلى أيّ مدى يتمّ ذلك واقعيّاً في دنيا الآخرة؟ إنّه بالنهاية لسرٌّ عظيم. وهو لا يسمح، مع هذا، أن ننسى أنّ الله "يريد أن يخلّص البشر جميعاً، فيصلوا إلى المعرفة" (7).
إنّ السعادة التي تغمرنا بمعرفة الحقيقة، برؤية الله وجهاً لوجه، وبالمشاركة في حياته، تلبّي بعمق، الطموح المحفور في كيان الإنسان ذاته والذي لا يترك مجالاً لأيّ شكّ. فحوى الفقرة التي ذكرتها من الرسالة الأولى إلى طيموتاوس: أنّ الذي  خلق الإنسان وحباه هذا النزوع الأساسي إلى السعادة لا يمكنه أن يتصرف بخلاف ذلك فلا يستطيع إلاّ أن "يريد أن يخلّص الناس جميعاً فيتوصلّوا إلى معرفة الحقيقة" (8).
المسيحيّة هي دين خلاصيّ والخلاصيّة المسيحيّة هي خلاصيّة الصليب والقيامة. يريد الله أن " يحيا الإنسان" فهو، بموت الابن، يقترب من كلّ إنسان ليظهر له الحياة التي يدعوه إليها. فعلى من يرغب في الخلاص، وإن غير مسيحيّ، أن يتوقّف أمام صليب المسيح.
ولكن، أيمكن أن يعرف هذا الإنسان كيف يتقبّل حقيقة السرّ الفصحيّ؟ هل يعرف أن يؤمن؟ هذه الآن مسألة أخرى، لأنّ سرّ الخلاص هو عمل قد تمّ. إنّ الله يأخذ بين ذراعيه كلّ الناس في كلّ العصور، بصليب ابنه وبقيامته، فيضمّهم جميعاً في الحياة المتجليّة بالصليب والقيامة والتي لا تنفكّ تتفجرّ منهما. فالسرّ الفصحيّ بات مطعّماً في تاريخ البشريّة كما في التاريخ الخاصّ لكلّ إنسان. يساعدنا على فهم ذلك الاستعارة الواردة في إنجيل يوحنا (9) في مثل الكرمة والأغصان.
إنّ عقيدة الخلاص المسيحيّة تعلن أنّ اكتمال الحياة المسيحيّة هو الذي يخلّص. ولا يتعلّق الأمر بخلاص بات سهل المنال باكتشاف الحقيقة في الوحي بل، بالأحرى، بخلاص بات ممكناً بالمحبّة وفي المحبّة. إذ يمكننا القول إنّ الخلاصيّة المسيحيّة ترتكز، قبل كلّ شيء على المحبّة الإلهيّة.
بالنتيجة هي المحبّة التي تملك هذا السلطان الخلاصي بالدرجة الأولى. وبحسب رسالة مار بولس إلى القورنثيّين، فإن هذا السلطان هو أسمى من سلطان المعرفة الخالصة للحقيقة. "فالآن تبقى هذه الأمور الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبّة ولكن أعظمها المحبّة" (10). فالخلاص بالمحبّة هو، في الوقت عينه، مشاركة في اكتمال الحقيقة، وفي الجمال. فكلّ اكتمال هو في الله. و"كل كنوز الحياة والقداسة هذه"، كما تقول طلبات قلب يسوع الأقدس، وهبها الله للإنسان بيسوع المسيح. إنّ الطبيعة الخلاصيّة المسيحيّة تتجلّى في حياة الكنيسة السرّية. فالمسيح الآتي "لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم" (11) يفجر ينابيع الحياة، ويهبنا طريقاً إليها في سرّ فصحه، المتعلّق بالموت والقيامة. ويرتبط بهذا السرّ سرّا العماد والإفخارستيا، هذان السرّان اللذان يضعان في الإنسان بذرة الحياة الأزّلية. ولقد وطّد المسيح كذلك سلطان سرّ المصالحة المجدّد في السرّ الفصحّي إذ قال للرسل، بعد القيامة: "خذوا الروح القدس، مَنْ غفرتم لهم خطاياهم تُغفَر لهم" (12).
تتبدّى الطبيعة الخلاصيّة المسيحيّة في العبادة أيضاً: ففي صميم كل فعل تسبيحيّ يتواجد احتفال القيامة والحياة.
تركّز الكنيسة الشرقيّة، في طقسها، على القيامة بصورة أساسيّة. وتحترم الكنيسة الغربيّة هذه الأولويّة للقيامة، ولكنّها تتعهّد أحياناً، وبوضوح أكثر، الاحتفال بالآلام. إنّ عبادة صلب المسيح قد كيّفت تاريخ الصلاة المسيحيّة فألهمت أعظم القدّيسين الذين أنجبتهم الكنيسة عبر العصور. فكلّهم، بدءاً بالقدّيس بولس، قد أجلّوا صليب المسيح واحترموه (13). ومن بين هؤلاء يحتلّ القديس فرنسيس الأسيزي مقاماً سامياً دون سواه. ما من قداسة مسيحيّة دون وفاء للآلام. كما أنّه ما من قداسة دون اعتراف بأولويّة السرّ الفصحيّ.
إنّ الكنيسة الشرقيّة تعلّق أهميّة خاصّة على عيد التجلّي. فغالباً ما استقطب هذا السرّ القدّيسين الأرثوذكس. وقد حمل قدّيسو الكنيسة الكاثوليكيّة أحياناً، آثار جراح المسيح، كالقديس فرنسيس الأسّيزي. لقد حملوا السمات الحسيّة التي تشير إلى انتمائهم إلى المسيح حتى في آلامه. وهكذا تطوّرت، طيلة الفي سنة، هذه الحصيلة الكبرى لحياةٍ ولقداسةٍ محورها المسيح دائماً. بيد أنّ المسيحيّة، وبخاصّة الغربيّة، وبالرغم من توجّهها نحو الحياة الأزليّة، نحو السعادة في الله، لم تتحوّل قطّ ديناً لا يبالي بالعالم، بل كانت دائمة الانفتاح عليه، على مشكلاته، وقلقه، وتوقّعاته. وإننا لنجد تأكيداً لذلك ساطعاً في الدستور الراعوي "فرح ورجاء" الصادر عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، حول الكنيسة في عالم اليوم، والذي يعود الفضل فيه إلى مبادرة يوحنّا الثالث و العشرين الشخصيّة. فقبل أن يموت تسنّى له أن يقدّم للجميع هذا الاسهام الشخصيّ. فالقاء الضوء على عالم اليوم لا يقوم فقط على تجديد حياة الكنيسة، ولا يتعلّق في السعي إلى الوحدة المسيحيّة فحسب، "لكي يؤمن العالم" (14) إنّها، أيضاً، وبخاصّة، عمل "لأجل خلاص العالم" هذا العمل الخلاصيّ، المتكيّف باستمرار مع "شكل هذا العالم الفاني" هو موجّه، على الدوام، نحو الخلود، نحو اكتمال الحياة. فالكنيسة لا تشيح بنظرها أبداً عن هذا الاكتمال النهائي الذي يقودنا المسيح إليه. لذا، فإنّ طبيعة التأمّل اللاهوتيّ للكنيسة تأخذ في الحسبان كلّ أبعاد الحياة الإنسانيّة والزمنيّة. الكنيسة هي جسد المسيح: جسد حيّ يمنح الحياة لكلّ شيء.

الحواشي:
1) أشعيا 45 / 21
2) إنجيل يوحنا 17 / 3
3) رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس 13 / 12
4) إنجيل مرقس 10 / 17 – 18
5) إنجيل يوحنا 11 / 21 و 23 – 26
6) وإذا جاء ابنُ الإنسان في مجده (...) يجلس على عرش مجده وتحشر لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض، كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء (...) ثم يقول الملك للذين عن يمينه: "تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المُعد لكم منذ إنشاء العالم: لأني جُعتُ فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فآويتموني، وعرياناً فكسوتموني، ، ومريضاً فعدتموني، وسجيناً فجئتم إلي". فيُجيبه الأبرار: "يا رب، متى رأيناك فجئنا إليك؟" فيجيبهم الملك: "الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئاً من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه". ثم يقول للذين عن الشمال: "إليكم عني، أيها الملاعين، إلى النار الأبدية المُعدّة لإبليس وملائكته: لأني جعت فما أطعمتموني، (...) وكنت غريباً فما آويتموني وعرياناً فما كسوتموني، ومريضاً وسجيناً فما زرتموني" (...) أيّما مرة لم تصنعوا ذلك لواحد من هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه. فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي، والأبرار إلى الحياة الأبدية".
7) رسالة القديس بولس الأولى إلى طيموتاوس 2 / 4
8) حزقيال 18 / 23
9) إنجيل يوحنا 15 / 1 – 5: "قال يسوع: "أنا الكرمة الحق وأبي هو الكرام. كل غصن فيّ لا يُثمر يفصله. وكل غصن يُثمر يُقضبه ليكثر ثمره. وكما أن الغُصن، إن لم يثبت في الكرمة لا يستطيع أن يُثمر من نفسه، فكذلك لا تستطيعون أنتم أن تُثمروا إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة (...) فمن ثبت فيَّ وثبتُّ فيه فذاك الذي يُثمر ثمراً كثيراً لأنكم، بمعزلٍ عني لا تستطيعون أن تعملوا شيئاً. (استشهاد الناشر).
10) رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس 13 / 13
11) إنجيل يوحنا 10 / 10
12) إنجيل يوحنا 20 / 22 – 23
13) غلاطية 6 / 14
14) إنجيل يوحنا 17 / 20 – 21. "قال يسوع هذه الأشياء ثم رفع عينه نحو السماء وقال: ...لا أدعو لهم وحدهم بل أدعو أيضاً للذين يؤمنون بي عن كلامهم فليكونوا بأجمعهم واحداً: كما أنك فيَّ، يا أبَت، وأنا فيك فليكونوا هم أيضاً فينا ليُؤمنَ العالم بأنك أنتَ أرسَلتني". (استشهاد من الناشر).