موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
العبور إلى الرجاء - الطوباوي يوحنا بولس الثاني
العبور إلى الرجاء - الطوباوي يوحنا بولس الثاني
لِمَ لا يمكن أن يُلغيَ الله الشرَّ والألم؟
04/05/2011 08:20:37 ص
قراءة المزيد

العبور إلى الرجاء                     Varcare la soglia della speranza

لِمَ لا يمكن أن يُلغيَ الله الشرَّ والألم؟

نعرف جيّداً، مع ذلك، اعتراض البعض، وهو أنّنا بإيضاحات كهذه نكون قد غيّرنا وجهة المسألة إلى الألم و الشرّ، من غير أن نواجهها حقيقةً. ففي الواقع، يؤكّد الإيمان أنّ الله كلّيّ القدرة. إذاً، لِمَ لم يُلغ العذاب من العالم الذي خلقه، ولِمَ يُصِرّ على عدم إلغائه؟
ألا يمكن، عند هذا، أن نتكلّم عن نوع من "العجز الإلهيّ" كما يفعل ذلك، الآن، مفكّرون مخلصون لدينهم؟

نعم، يمكننا القول إنّ الله عاجز أمام الحرّية الإنسانيّة. كما يمكننا القول، بمعنى أو بآخر، أنّ الله يكفّر عن كلّ ما أعطاه للكائن الذي خلقه على "صورته ومثاله" (1). كما أنّه لا يعدل عمّا أعطى. لهذا السبب يترك للإنسان أن يحاكمه أمام محكمة غير شرعية تتحدّاه بأسئلتها: "أفأنت ملك إذن"؟ (2) وبمعنى آخر: "تدّعي، إذاً، أنّ كلّ ما يحدث في العالم، في تاريخ إسرائيل وفي تاريخ الأمم جمعاء، مرتبط بك"؟
وإنّنا لنعرف ردّ المسيح حينما استجوبه بيلاطس، قاضيه إذ قال: "ولدت، وأتيت العالم ألاَ لأشهد للحق" (3) ولكن: "ما هو الحق"؟ (4) هنا يتوقّف الإجراء القضائي. إنّها الدعوى المأسويّة التي يَتهّم فيها الإنسان الله أمام محكمة التاريخ. فالحكم لم يصدر في نطاق احترام الحقيقة. فقد قال بيلاطس أولاً: "أنا لا أجد فيه سبباً لإتهامه" (5). لكنه أمر، بعد ذلك بقليل: "خذوه، أنتم، واصلبوه"(6) وهكذا يغسل يديه، ويتملّص من السؤال الذي طرحه بنفسه، متخلّصاً من كل المسؤولية، ليلقي بها على الجمع المهتاج.
وهكذا فإنّ إدانة الإنسان لله لا ترتكز على الحقيقة، بل على استغلالٍ سلطوي، وتآمرٍ جبان. أفلا تكشف هذه الإدانة حقيقة تاريخ الإنسان، حقيقة عصرنا؟ ألا يمكن في أيّامنا هذه، أن تتكرّر إدانة كهذه في محاكم لا تُحصّى تابعة لأنظمة طغيان كلّيّانيّة (توتاليتاريّة)؟ ونحن، ألمْ نصدر أحكاماً مماثلة ضمن مجالسنا الديمقراطية عندما ندين، مثلاً، الكائن البشريّ، قبل ولادته، بمقتضى شرائع تُسَنُّ بانتظام؟
إنّ الله هو دائماً، إلى جانب المعذّبين، وقدرته الكلّيّة تُظهِرُ، بحقٍّ، قبوله الطوعيّ للألم. كان بإمكانه ألاّ يفعل ذلك فيطلق قدرته الكليّة حين صلبه بالذات. فلقد عُرِض عليه: "فلينزل، الآن، المسيح ملك إسرائيل، عن الصليب، لنرى ونؤمن" (7). ولكنّه لم يرفع التحدّي، فكونه بقى على الصليب حتى النهاية، وكونه استطاع أن يقول، على الصليب، ككلّ الذين يتألّمون: "ألوي ألوي لما شبقتاني؟" (8) كلّ ذلك جعل هذا الحدث وكأنّه الأكثر حسماً في تاريخ الإنسان. فلولا احتضار الله على الصليب لبقيت حقيقة كونه محبّةً معلّقةً في الفراغ.
نعم الله محبّة، ولأجل هذا أرسل ابنه ليظهر به المدى الذي تصل إليه المحبّة. فالمسيح هو الذي "أحبّ حتّى النهاية" (9) و"حتّى النهاية" تعني حتى آخر نسمة من الحياة، كما تعني أنّه أخذ على عاتقه كلّ ما ينتج عن خطيئة الإنسان، بحسب ما تنبّأ أشعيا: "لقد حمل هو آلامنا (...) كلّنا ضللنا كالغنم، كل واحد مال إلى طريقه، فألقى الرب عليه إثم كلّنا". (10).
"إنسان الألم" هو الكشف عن هذه المحبّة التي "تتحمّل كلّ شيء" (11) هذه المحبّة التي هي "العظمى" (12). إنّه الكشف عن هذا الإله الذي ليس محبّة فحسب، بل "يُفيض المحبّةَ في قلوبنا بالروح القدس" (13). وأخيراً فإنّ الإنسان، الذي يشارك المصلوب في الفداء، ينتصر في ذواتنا على الإنسان الذي يدّعي إدانة الحكمة الإلهيّة الفاعلة في حياته الخاصّة وفي تاريخ الإنسانيّة.
وهكذا، يجد كلّ منّا نفسه في قلب تاريخ الخلاص بالذات. فالحكم على الله يُضحي حكماً على الإنسان. والبُعد الإلهي لهذا الحدث يلتقي والبعد الإنسانيّ ويتشابكان ويتّحدان. فكيف لا نتأثّر بذلك؟ فمن جبل "الطوباويات" تقود طريق البشرى الجديدة إلى طريق الجلجلة (14). إنّها تمرّ بطور طابور، جبل التجلّي.
يشكّل عار الجلجلة تحدّياً هو من الفداحة بحيث أنّ الله أراد أن يُخطر الرّسل بما سيحدث منذ الجمعة العظيمة حتى أحد الفصح.
ورسالة الجمعة العظيمة النهائية هي الآتية: أيّها الإنسان، يا مَنْ تحاكم الله، وتنذره بأن يبرّر نفسه أمام محكمتك، أنظر إلى ذاتك، ألن تكون مسؤولاً عن موت هذا المحكوم عليه؟ ألا تحاكم نفسك، حقاً، عندما تحاكم الله؟ فكّر ملياً ألا يبقى هذا الحكم ونتيجته – الصليب والقيامة بعده – الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقودك، بعد الآن، إلى الخلاص؟
عندما بشرّ الملاك جبرائيل عذراء الناصرة بولادة الابن، وإذ أعلن أن: "ولن يكون لملكه نهاية" (15) كان من الصعب، فعلاً، التوقّع أن هذه الكلمات تبشّر بأحداث كهذه، وأنّ مُلْكَ الله، في العالم، سيتوطّد بثمن كهذا، وأنّه سيكون، مذ ذاك، على تاريخ خلاص الإنسانيّة بكاملها، أن يتبع طريق الصليب.
مذ ذاك فقط أم منذ البداية بالذات؟ فما حصل على الجلجلة هو حدث تاريخ ولكنّه غير محدود بالمكان والزمان. إنّه يرجع في الماضي، إلى بداية العالم، ويفتح باب المستقبل حتى نهاية التاريخ. يستعيد الإنسانية كلّها في كلّ الأمكنة وكلّ الأزمنة. فالمسيح هو ما تنتظره الإنسانيّة، وهو في الوقت نفسه، نهايتها: "فلا خلاص بأحد غيره لأنه ما من اسم تحت السماء أطلق على أحد الناس ننال به الخلاص" (16).
المسيحيّة هي دين الخلاص، أي التأمّل اللاهوتيّ في الخلاص، في ما لو استعملنا لغة اللاهوت. فالسرّ الفصحيّ يتضمّن التأمّل اللاهوتيّ المسيحيّ في الخلاص. فعلى الإنسان أن يتوقّف عند أقدام الصليب لكي يأمل بالخلاص بالله. وبعد ذلك، أي يوم الأحد الذي يلي السبت المقدّس، عليه أن يتواجد أمام القبر الفارغ فيسمع ما قيل لنساء أورشليم: "إنه ليس ههنا فقد قام" (17). فمن الصليب إلى القيامة يتوضّح اليقين بأن الله يخلّص الإنسان، يخلّصه بالمسيح، بصليبه، وبقيامته.

الحواشي:
1) سفر التكوين 1 / 26
2) إنجيل يوحنا 18 / 37
3) إنجيل يوحنا 18 / 37
4) إنجيل يوحنا 18 / 38
5) إنجيل يونا 18 / 38؛ 19 / 6
6) إنجيل يوحنا 19 / 6
7) إنجيل مرقس 15 / 32
8) إنجيل مرقس 15 / 34
9) إنجيل يوحنا 13 / 1
10) أشعيا 53 / 4 – 10
11) رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس 13 / 7
12) رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتس 13 / 13
13) رسالة القديس بولس إلى أهل روما 5 / 5
14) علق يسوع على الصليب، في الجلجلة وهي تلة تقع خارج أسوار أورشليم (تعليق للناشر).
15) إنجيل لوقا 1 / 33
16) أعمال الرسل 4 / 12
17) إنجيل متى 28 / 6