موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
تاريخ الناصرة ومعالمها الاثرية
تاريخ الناصرة ومعالمها الاثرية
يشتق اسم الناصرة من لفظة "נצר" وتعني زهرة.
19/01/2009 08:06:14 ص
قراءة المزيد

          يشتق اسم الناصرة من لفظة "נצר" وتعني زهرة. ومن هنا قول أشعيا: "يخرج قضيب من جذر يسّى وينمو فرعٌ من أصوله" (9،11).  وربما اشتقه القديس متى من "נזיר"، ومعناها النذير؛ أي الذي يكرس نفسه لله. ودُعي المسيح بالناصري نسبة إلى الناصرة، فهذه الزهرة لم تنبت إلا لتعطينا الثمرة التي ستضفي طعمًا جديدًا للعالم بأسره، ولتصبح هي نفسها الزهرة النابتة من جذر يسّى. والباحث عن اسم الناصرة، لن يعثر له على أثر في العهد القديم، فشهرة الناصرة تعود إلى كونها المدينة التي كانت العذراء مريم تعيش فيها عندما بشرها الملاك جبرائيل بسر تجسد الكلمة، والمكان الذي اختاره ابن الله ليقضي فيه أيام طفولته وشبابه حتى بلوغه الثلاثين من عمره،  حيث عاش فقيرًا ومجهولاً، برفقة مريم ويوسف.

          إن الذكريات التي تمنح هذه القرية تلك الهالة العجيبة الوضاءة التي تحيط بها، مصدرها هذا الثالوث الأرضي الذي ندعوه "العائلة المقدسة". إنها ذكريات تبعث في نفس الحجاج رعشةً من مشاعر وعواطف تفيض عذوبةً وفرحًا.

          لقد هدمها الإمبراطور أدريانوس في عام 135 م. إثر قيام ثورة يهودية، فهربت العائلات الكهنوتية منها. وكان يعيش فيها، آنذاك، أقلية مسيحية أطلقوا عليها اسم "أخوة يسوع"، على رأسهم القديس يهوذا الملقب "تداوس". وقد التفت حوله جماعة المسيحيين المدعوين بـ"الناصريين"، من أصل يهودي، وعاشوا في الخفية حتى القرن الرابع.  وقد زادت الحفريات تحت كنيسة البشارة في التعرف على هذه الجماعة، وأثبتت أن بيت العذراء تحول إلى "كنيسة-مجمع".

          وما أن هيمنت المسيحية على الإمبراطورية الرومانية، حتى قامت في الموضع كنيسة بيزنطية رائعة التصميم. فبيت العذراء مريم، أم يسوع، لم يختلف ولا امحى من ذاكرة سكان الناصرة، وذلك لتعلق المسيحيين الشديد بالمسيح وأمه العذراء.

          بعد دخول الصليبيين مدينة الناصرة، قاموا ببناء كاتدرائية جديدة فوق تلك البيزنطية التي هدمها الحكام قُبيل دخول الصليبيين البلد. وتمّ تدشين الكنيسة الجديدة، عام 1109، كنيسة "القديس جبرييل" بجانب "عين العذراء".

          بعد معركة حطّين، سقطت الناصرة في يدي صلاح الدين الأيوبي، فأظهر كل تسامح مع السكان الأصليين. ولكن الكنيسة بقيت خالية، لأنّه كان أمر جميع رجال الإكليروس الأوروبيين بمغادرة البلاد، ولم يسمح لأحد بالعودة إليها حتى عام 1192، حين نال أسقف سالزبوري إذنا من السلطان صلاح الدين يخوّله بإرسال كاهنين لاتينين مع بعض الشمامسة، بالإضافة إلى مجموعة من كهنة الإكليروس المحلي.

          وحين وقّع فردريك الثاني هدنة مع السلطان المصري، في العشرين من شباط عام 1229، أصبح إمبراطور ألمانيا المسيطر على طريق عكا-الناصرة؛ فقام بترميم الناصرة التي بقيت حتى ذلك الوقت بلا ترميم ولا أسوار.

          حال الإفراج عن الملك لويس التاسع وخلاصه من الأسر، عام 1250، توجه إلى عكا مستعدًا للعودة إلى بلاده، إلا أنّه لم يرغب في مغادرة البلاد قبل أن يقوم بزيارة الأماكن المقدسة.   وفي الثالث والعشرين من آذار عام 1254، توجه لزيارة كنيسة البشارة فوصلها عشية الاحتفال بعيد البشارة، وقام فيها بأداء الصلوات والشعائر بطريقة لم تشهد لها الناصرة مثيلاً منذ أن اتخذ ابن الله جسدًا ودمًا وصيرورته إنسانًا.

          بعد أقل من عشرة أعوام؛ أي في آذار عام 1263، وصل بيبرس إلى مشارف جبل طابور على رأس جيش هائل قادمًا من مصر. ومن هناك، أرسل قسمًا من جيشه إلى الناصرة ومعه أمر بتدمير وهدم كل الكنائس والأديرة التي يجدها في طريقه. أما المسيحيون، فقد عرض عليهم الحرية مقابل إشهار إسلامهم، إلا نبلاء البلدة فضلوا الموت على خيانة السيد المسيح، فتم ذبحهم وألقيت عظامهم في أحد الآبار. وكان الآباء الفرنسيسكان، الذين تولوا الإشراف على الكنيسة، يعرضون مكان أولئك الشهداء للحجاج بعد عدة أعوام من وقوع هذه الحوادث.

          في التاسع والعشرين من عام 1219، رسا القديس فرنسيس في عكا. وخلال تنقله في ربوع الجليل لم ينسَ بالطبع أن يزور الناصرة، "حيث جذبه بشكل خاص مزار سر تجسد الكلمة"، كما يقول توما الشيلاني، واضع سيرة حياته. ويقول "تويلر"؛ أحد المؤرخين البروتستانت، أن "الفضل في حفظ هذه المدينة مسيحية يعود إلى جرأة وبسالة وثبات الآباء الفرنسيسكان". وكان هؤلاء الرهبان، منذ عام 1349، الوحيدين الذين بقوا في الديار ليحموها ويسدوا الثغرة التي خلفها الآخرون، مجابهين جميع الأخطار بشجاعة، وعاقدي العزم على استعادة جميع الأماكن المقدسة، وحماية مسيحيي البلد من الإعصارات المدمرة التي اجتاحتها.

          وكتب برتلماوس الإيطالي الجنسية، في أواخر القرن الرابع عشر، محدثًا عن رهبان الأخوة الأصاغر في الأراضي المقدسة، يقول: "كان لهم دير أيضًا في الناصرة، هو اليوم مهجور بسبب سوء معاملة غير المؤمنين لهم. ويقول مؤرخو حراسة الأراضي المقدسة، بأنه قد تم طرد الفرنسيسكان من الناصرة للمرة الأولى عام 1385، ثم مرة أخرى عام 1448. ولكن رغم ذلك، فقد وجد الحجاج، عام  1448، أحد الكهنة واثنين من المؤمنين يقيمون سرًا في الكنيسة حيث بشر الملاك العذراء مريم".

          وفي عام  1542، عاد الاضطهاد يتعقب رهباننا مرة أخرى على يد العثمانيين، فقتل بعضهم وفرّ بعضهم الآخر، تاركين مفتاح المزار بين يدي عيسى وهو أحد المسيحيين وكان، بإيعاز من الرئيس العام، يحافظ على إبقاء قنديلين مضاءين باستمرار في المغارة. وكان الرهبان يأتون للزيارة، مصطحبين بعض الحجاج، حين كانت الظروف تسمح بذلك.

          أخيرًا، عام 1620، نال الرئيس العام توما النوفاري، بمساعدة قنصل فرنسا في صيدا، إذنًا رسميًا من الأمير الدرزي فخر الدين، يسمح له ببناء كنيسة فوق مغارة البشارة. وكتب الأب يوجين روجر، صديق ومستشار الأمير فخر الدين، يقول: "نجد في المزار عشرة أو اثني عشر راهبًا أكثرهم فرنسيون. وقام البابا بالذات بتعين الأب يعقوب الفرنسي رئيسًا للدير، فأمضى ثمانية أعوام، يمارس واجباته الدينية ويحتفل بالذبيحة المقدسة بحرية تامة كأنه في فرنسا. وهذا، ما شهدته بنفسي خلال العشرين شهرًا التي قضيتها معه. وفي عام 1631، بلغ عدد الرهبان الفرنسيسكان في المزار اثنين وعشرين راهبًا. ولكن، في العام التالي، قام تيرابيت، أمير البدو وعدو الأمير فخر الدين، بسجن الأب إلاريون مدة شهرين.

          وعام 1634، قام باشا دمشق بسجن جميع الرهبان المقيمين في الناصرة، ولم يخلِ سبيلهم قبل مرور ستة أشهر، ودفع فدية مقدارها 500 دينار، أي ما يعادل خمسة آلاف فرانك فرنسي، ثم تقاضى منهم مبلغ 300 دينار، مقابل وضع جرس في الدير. ولم يرضَ قاضي صفد إلا أن يحذو حذو رئيسه، فتقاضى منهم مبلغ 250 دينارًا بسبب تدنيسهم للدير بأكل لحم الخنْزير وشربهم النبيذ. كما قام البدو، عام 1638، بعدة غزوات على ضواحي الناصرة، فأحرقوا المدينة ودمروا الكنيسة والدير، وطردوا الرهبان من البلدة.

          إلا أن هؤلاء الرهبان الثابتي العزم، ما لبثوا، بعد محاولتين فاشلتين، أن عادوا إلى المدينة وسكنوا من جديد فوق أطلال مزارهم العزيز، وذلك حوالي كانون الثاني من عام 1641. على أنّ المضايقات والاضطهادات لم تهدأ، وكانت تأتيهم كل يوم بشكل جديد. وكتب "دي روتسل" وهو نبيل نورمندي، في عام 1644، يقول: "إن الدير مدمر تقريب، وليس فيه سوى ثلاثة رهبان يضطهدهم الأتراك يوميًا ويسرقون القليل الذي يملكون".

          ويذكر لنا مؤرخو تلك الحقبة من الزمن، مرة أو مرتين أخريين طرد فيها الرهبان حتى العام 1730. وكان عليهم احتمال غزوات البدو، الذين يسطون من صحراء الجليل. وما أن تهدأ الغزوات والاضطهادات حتى يبدأ الأتراك بفرض ضرائب لا تخلو من أطماع شخصية: فعلى سبيل المثال، فُرض على حراسة الأراضي المقدسة، في وقت من الأوقات، دفع إيجار جميع بيوت القرية مقابل تملكها المنطقة المحيطة بمزار الزيارة. وتمتع الرهبان، تحت سيطرة الشيخ ظاهر العمر، ببعض الهدوء والطمأنينة، رغم المؤامرات التي كانت الطائفة اليونانية تحيكها ضدهم في بلاط السلطان في القسطنطينية. وفي العام المذكور، نال الفرنسيسكان الإذن ببناء كنيسة جديدة، للأسف لم تصمد أكثر من سبعة شهور بسبب التسرع وعدم الروية في بنائها.

          وتستحق قصة الحصول على هذا الأذن أن نرويها لما فيها من أهمية وطرافة، فبعد محاولات عديدة، ورشوات كثيرة، أعلن الموظف التركي، المسؤول عن الناصرة، عن استعداده لمنح الرهبان التصريح بمباشرة البناء، بشرط أن يتم الأمر على النحو التالي: سيذهب هو إلى مكة لأداء فريضة الحج. في هذه الأثناء، يباشر الرهبان بناء الكنيسة، بحيث تكون جاهزة لدى عودته من الحج، فيسلم بأمر الواقع. ومقابل ذلك، يتكفل الرهبان بدفع نفقات الحج، بإدخالها  في حساب تكاليف البناء، لأن الموظف التركي عاجز عن القيام بنفقات الحج الباهظة. وهكذا كان، إذ باشر الرهبان في العمل ليل نهار، وبسرعة محمومة. وبنوا الكنيسة فوق معالم أثرية ثمينة، لم تكن في الحسبان في ذلك الزمان،   ولما عاد الموظف لم يتسبب بأقل إزعاج للرهبان ولا أبلغ السلطان بما جرى، حفاظًا على الاتفاقية.

          وفي القرن التالي، زيد على البناء رواقان جديدان، وتم تحسين الواجهة الأمامية. إلا أنه بقي، رغم ذلك، بناء مؤقتًا لا يليق بعظمة السر الذي يرمز إليه، بل كان مثالاً حيًا لحياة الرهبان غير المستقرة بسبب الاضطهادات التي تعرضوا لها في الناصرة.

          ورغم ذلك، أقدم الرهبان في تلك الحقبة على تأسيس مدرسة للصبيان ودير للرهبان وكنيسة للقديس يوسف، في المكان الذي احتفظ، بذكراه، باستمرار ذكرى القديس يوسف، ثم نزل الحجاج إلى المكان الذي يعرف باسم "كازانوفا". وغير بعيد عن كنيسة القديس يوسف، تقوم كنيسة الروم الملكيين، على مقربة من مبنى قديم يقال إنه كان مجمعًا لليهود، وإليه تردد يسوع وتناول في أحد الأيام درج الكتاب، وقرأ مقطعًا من سفر أشعيا.

          وفي عام 1954، رغم الظروف السياسية العصيبة في فلسطين، والمبالغ الضخمة التي تطلَبها المشروع، تمّ البدء بأعمال بناء بازيليك البشارة الجديدة بعد هدم كنيسة القرن السابع عشر. وقد شيدت بالإسمنت المسلح المكسو بالحجارة المنحوتة. وهي من تصميم المهندس الإيطالي "موتزيو".   يتوج الواجهة الأمامية تمثال الفادي من البرونز، تحته مشهد البشارة، ثم الأناجيل الأربعة. أما الواجهة الجنوبية فنقش عليها صلاة "السلام عليك يا سلطانة" باللاتينية. واليوم، على قمة الكنيسة التي تظلّل في طياتها بيت العذراء، وذكرى تجسد ابن الله، وإلى جانب رموز المسيحية المقدسة، وصليب حراسة الأراضي المقدسة النحاسي، نجد أيضًا ختم رهبنة الإخوة الأصاغر الذي يجمع بين يدي السيد المسيح والقديس فرنسيس المثقوبتين.

احصائيات أبناء الرعية اللاتينية – الناصرة من 1620 - 2011

سنة عدد النفوس
1620 1
1961 24
1715 85
1734 150
1755 344
1832 579
1856 698
1900 1335
1950 2017
1970 3650
1974 4090
2011 7374