موقع البشارة - هنا الكلمة صار جسداً وحل بيننا
لتلقي أخبار الرعية وآخر المستجدات
الرجاء تزويدنا ببريدك الألكتروني
 
المكرم سمعان السروجي
المكرم سمعان السروجي
في العاشر من أيار سنة 1877 وُلد للأرض وللسماء خادم الله سمعان سروجي: وُلد للأرض يوم تمثل بشرا ووُلد للسماء يوم تقبل المعمودية والتثبيت على يد الخوري عون اغسطينوس عون من طائفة الروم الكاثوليك وكان عرابه السيد بطرس يعقوب أيوب.
15/11/2008 03:52:33 م
قراءة المزيد


في العاشر من أيار سنة 1877 وُلد للأرض وللسماء خادم الله سمعان سروجي: وُلد للأرض يوم تمثل بشرا ووُلد للسماء يوم تقبل المعمودية والتثبيت على يد الخوري عون اغسطينوس عون  من طائفة الروم الكاثوليك وكان عرابه السيد بطرس يعقوب أيوب.
خص الله تعالى خادمه سمعان سروجي بحبه فجعله مواطنا للمسيح في مدينة الناصرة التي معناها "زهرة".  وُلد وترعرع فيها مقتديا بفضائل يسوع الشاب.  من كان يظن أنه سيصبح صورة صادقة ليسوع وزهرة تقطف من ربوع الجليل وتزرع في حديقة المدارس السالسية إكراما للعذراء.

ولد سمعان من أبوين فاضلين: عازار طنوس سروجي من الروم الكاثوليك ودلة ابراهيم خولي المارونية التي تزوجت منه سنة 1856 بعد وفاة زوجته الأولى سعدى ام دأود. ينتمي في أصل جدوده إلى فرعون من حوران وإلى فرزل بلبنان وأمه من الناصرة. أما اللقب فمتحدر إليه من حرفة الجدود القديمة وهي صناعة السروج.

المحن الأولى
كان سمعان عندما فقد والده ابن ثلاث سنوات وما إن كبر حتى فقد والدته الحنون أيضا وأمسى بذلك لطيماً لا سند له ولا دعامة إلا جدته من أبيه السيدة بهجة عيد وعمته روجينا سروجي. وكانت تلك المصيبة بعض غوامض الله سبحانه وتعالى.     

 
أيام حداثته
كانت المرحلة الأولى من حياة خادم الله سمعان سروجي على غرار حياة يسوع الشاب, عادية مجهولة. أما أخلاقه فنعرفها من قول خليل جهشان أحد أترابه وجيرانه: "كان سمعان نشيطا جذلا, من ذوي الأخلاق الطيبة وبخاصة مع رفاقه.  يحب كثيرا أن يتسلى مع أصحابه وينظم اللعب بحماسة.   ميزته الخاصة الوداعة والصلاح".

إلى بيت جمال
في الحادية عشر من عمره دخل سمعان, بفضل عمته ملكة سروجي, دار الأب أنطون بلوني في بيت جمال. قالت عمته لراهبات مريم معونة النصارى في الناصرة عام 1950 قبل مماتها: "قد فقد سمعان صغيرا أباه وأمه وأرسلته أنا إلى بيت جمال بجوار عرطوف" وأضافت السيدة روز سروجي وهي أيضا من أقرباء خادم الله قائلة "قد مر بالناصرة أحد كهنة دير بيت جمال وأخذه معه إلى هناك".  وبعد حين من الزمن انتقل إلى بيت لحم إلى دار الأيتام الأم في بيت لحم وكان ذلك في عيد الحبل بلا دنس سنة 1888 بتدبير من العناية الربانية التي أرادت أن يكون لهذا اليتيم أب عطوف على الأرض كما أن له أما قديرة في السماء.  ونِعمَ هذا الأب "أبونا أنطون" وحبذا هذه الأم, مريم العذراء.

رسول في حداثته
عند دخول سمعان مدرسة بيت جمال في 25 آب 1892 امتاز عن غيره بالاجتهاد وحسن الاخلاق فوكل إليه الرؤساء وظائف خاصة, منها تلاوة الصلوا ت والقراءة الروحية ومراقبة رفقائه الصغار. وكانت معاملته في ذلك كله لطيفة مقبولة.

من بين الذين كانوا حينذاك في بيت جمال عام 1892 الأب كارلوس فير كاوترن البلجيكي الأصل, الذي عرف سمعان الشاب حق المعرفة وشهد له أجمل شهادة فسماه: "الشاب القديس الكامل، النموذجي في كل شيء".   وقال لبعض الأخر: "منذ دخول سمعان بيت جمال كان يؤثر في الجميع أطيب التأثير ويتقدم كيسوع في الحكمة والسن والنعمة عند الله وعند الناس ولم يكن كغيره من الرفقاء".

نذوره الوقتية
في 31 تشرين الأول سنة 1896 بعد القيام بالرياضة الروحية في دير كريمزان المنعزل أدى سمعان نذوره الرهبانية الوقتية وانضم في التاسعة عشرة من عمره إلى الجمعية السالسية تحت راية القديس يوحنا بوسكو.

كنوز حياته الروحية
ظاهرا وباطنا كان سمعان سروجي ذات عينان سودوان وابتسامة جذابة, كان معتدل القامة والصوت بسيط الثوب نظيفة, عميق النظر حادة, عيناه سودوان لامعتان تدلان على شعور دائم الانضباط, ابتسامة جذابة تشير إلى نفس يمتلكها الله. الصليب على صدره بصورة دائمة ومجرد النظر إليه يدعو إلى مودته والتشبه به.  كان الرجل الذي لا غش فيه, المسيحي المتقد بالحب, القوي الأخلاق والمكب على ممارسة الفضائل الإلهية والأدبية واحترام نذوره الرهبانية... وكل من عرفه ردد بدهشة: "أن سمعان سروجي لهو قديس" أي رجل مليئا بجميع بالفضائل.

كان نحيل كالزهرة وجبارا كالأرزة قوي وثابت وهذه القوة ناتجة من اتحاده بالله.  وكان صديق الأولاد وحارسهم, كان حارسا أمينا لهم وكان يحبهم كثيرا وكان معلما وصبورا معهم صبرا جميلا ولا يفوته شيء. كان يحبب إليهم عبادة يسوع في القربان وسيدتنا مريم العذراء، ويعلمهم كيف يجب أن يكرموها فعلا بتناول القربان وتجنب الخطيئة.


كانت رغبته الكبرى في أن يعد الصغار منهم للقربانة الأولى فكان يأخذهم إلى الكنيسة في أثناء النهار ويعلمهم تعاليم جوهرية بسيطة هي: ممارسة الفضيلة وتجنب الخطيئة وأسبابها وتلاوة الصلاة بحرارة, قبول القربان بطهارة قلب, الاعتراف الجيد والاجتهاد في تتميم الواجبات اليومية.
كان مصلحا ومربيا ومن توصياته المألوفة للطلاب: "كن متواضعا مع الجميع ولا تتكبر على أحد؛ ان ضربك أحد فسامحة, وأحِبه كأخ لك".  كان مثال العمل والتضحية يهب إلى الكل المساعدة, لم يعرف الراحة والتعطل وإضاعة الوقت؛ وكانت قيلولته  بعد الغذاء استراحة قصيرة يسند فيها رأسه إلى المخدة هنيهة ثم يستأنف أعماله إلى العشاء.

كانت الأعمال تتراكم عليه في بعض أحيانا بسبب تفشي "الملاريا" في القرى المجاورة وانتشار الوباء في تلك المنطقة؛  فكان الممرض الصبور والطيب القلب يداوي المرضى والجميع كانوا يشعرون بالتحسن أما في أجسادهم وأما في معنوياتهم.
كان الأخ والمعلم سروجي يقدس أعماله بالصلاة وهو يصلي كثيرا جيدا بلا انقطاع. وكان يصلي ولا يمل، وكلما شرع بالعمل او فرغ منه رفع صلاة حارة امام القربان الأقدس. وهكذا صارت نفسه متحدة بالله، بمريم البتول، بمار يوسف وشفعائه القديسين متكلا في نجاح مشاريعه عليهم لا على مهارته الخاصة.

كان سمعان سروجي دائما في حضرة الله، حتى في عمله أو في شيء آخر، كان دوما متحدا بالسماء. كان دائما أبا وأخا حنونا وشفوقا مساعدا القريب. كان رسول أمل وعزاء لم يكن ليطرد أحدا يأتي ليتعالج عنده، كانت بركة الله في يده فكان يعطف على الأطفال عطف الأمهات، وكانت الأمهات يكتفين عل كل حال بأن يضع على رؤوس أطفالهن يده، وهن على ثقة بالحصول على بغيتهن.   وقد شهد مسلم قال: "أن بركة الله في يده، وهكذا تشبه سمعان بمواطنه يسوع مشفقا على كل ضعف، مكفكفا دموع الجموع، معاملا كل إنسان معاملة الأخ بالله.
كان احترامه حق القريب والفقير، كان الجميع يقدرونه لأنه كان رجل تام لا غش فيه، لم يكن ليغش أبدا وكانت كلمته مسموعة عند الجميع نعم نعم ولا لا، هكذا قال المعلم وانتهى الأمر.  كان ملاك في جسد إنسان، جاثيا بلا حراك ليؤدي الشكر في بيت الله بيت الصلاة أمام القربان بمنتهى الأحترام.

كان سر نجاحه هو الله مانح كل موهبة وعطية صالحة للذين يطلبونه بقلب واثق أمين. كانت روحه روح تقوى وصلاة، لم يكن ليهمل أي فعل من أفعال التقوى " التأمل والقراءة الروحية". كان محور حياته الروحية قبول سر التوبة يوم السبت وتناول القربان يوميا؛ وكانت النتيجة أن روح التقوى المبنية في هذا الأخ على هذه القاعدة الراسخة لم تتعرض لتقلبات الأهواء وسوء الرأي، بل كانت حية متينة ثابتة تدفعه إلى النمو المستمر في طريق القداسة.

كان الأسبوع كله في نظر خادم الله نشيد حمد للرب:
 
-   يوم الاثنين يقدم صلاته للأنفس المطهرية

-   يوم الثلاثاء يقدم صلاته لملاكه الحارس

-   يوم الأربعاء يقدم صلاته للقديس مار يوسف

-   يوم الخميس كان أمام القربان ساجدا بالروح

-   يوم الجمعة يتأمل بيسوع المتألم ويشاركه بالألم

-   يوم السبت يقدم صلاته إلى العذراء مريم "امه السماوية الحنون"

-   يوم الآحد القداس الإلهي وكلام الإنجيل محور يوم الرب

 
كان خادم الله يمارس مرة في الشهر مع الجمهور رياضة الميتة الصالحة. ولم يكن من الصعب عليه التأمل في عواقب، وقد اعتاد فكرة الموت بأن يقول يوميا عند نهوضه من النوم: "يا الهي امنحني في حينه نعمة الموت الصالحة".  ومن مقاصده الخاصة: "سأضع نصب عيني دوما فكرة الموت والدينونة لأكون على أهبة المثول امام يسوع حبيبي". وأيضا: "سأتخذ الموت مشيرا لي...واجعل يسوع صديقا لي". بالحقيقة كان رسول بعض الممارسات الشهرية يتشفع بشفيع الخاص بكل شهر وفروض قلب يسوع الأقدس.

كان دائما انعكاسا لطهارة القلب والفكر, مظهرا إيمانا حيا عميقا راسخا.  كان دائما يقوم بصيام صارم ونظرا لصحته أمر رئيس الدير بتعديل صيامه, وأخذ حينذاك، عن بساطة قلب وبلا تمييز.

كان خادم الله رجل صلاة وتقوى يقود الله يده، كان يصلي ليلا مناجيا يسوع ومريم مناجاة مضطرمة في الليل وفي أثناء اليقظة. وقد ورد في مفكرته: "إن الله ساكن في قلبي وليس نوره ومجده فيَ أقل تألقاً منه في السماء".

كان مخلصا لرؤسائه وأخوته ولم يكن لديه أي تفرقة يحب الجميع كانوا من مسيحيين أم مسلمين.

كانت شفتاه دائما تتلفظان في كل آن باسمي يسوع ومريم الأقدسين. كان يردد دائما وهو يجهز إبرة المعالجة أو يضمد الجراحات: "يسوع يسوع" وكانت تحيته: "ليحي يسوع، فلتحي مريم". 

كان كل يوم يتلو صلوات " أفراح مريم السبع" علاوة عن المسبحة الكاملة.  وفي شهر أيار كان يزيد حبه لمريم اضطراما ويقول لكل من يعينه: "ماذا علينا للعذراء بحلول الشهر المريمي؟ علينا إماتة النظر (وهو الذي كان آية الحشمة في ضبط العينين). وكان يقول علينا ممارسة فضيلة الصبر والقيام بأعمالنا بصحبة مريم.

 
السنون الأربع الأخيرة – شمس حياته تميل إلى الغروب  
اشترك الأخ سمعان سروجي سنة 1939 كعادته صيفا في الرياضة الروحية السنوية التي أقيمت في بيت لحم. وبعد الإبتراد في هذه الرياضة نفسا وجسدا، وهو على جبال اليهودية، عاد إلى ديره حيث الطقس خانق وثقيل في منتصف الصيف. وإذ كان بعض الأخوة يتركون غرفة النوم وينامون على السطح ليلا طلبا للبرودة كنت ترى خادم الله لا يفارق سريره البتة بروح الإماتة.

وفي أواخر أيلول انتابه نوبة شديدة من الحمى الخبيثة والتهاب حاد في الرئتين أوصله خلال بضعة ايام إلى حافة القبر حتى يئس من شفائه.  ولما كان يعذر عليه العلاج في الدير لعدم وجود الأدوية الفعالة نقله الرئيس أنطونيو كاندياني إلى مستشفى راهبات المحبة في بيت لحم في الثاني من تشرين الأول.

كانت حالته خطرة جدا عندما دخل المستشفى ومسح بالتالي مسحة المرضى لعل الرب يرد له العافية. وحقا في تدبيره اللطيف لم يقطف الله هذه الثمرة اليانعة بل حفظ خادمه الأمين قيد الحياة مدة أخرى من الزمن ليكون قدوة في محن جديدة.

بعد الخروج من المستشفى منهوكا قضى مدة من الزمن في دار الابتداء الحديثة بطنطور للاستجمام وقد رآه المبتدئون الجدد للمرة الأولى متأملين في فضائله السامية.

قال عنه الأخ اغسطينوس أفندي وقد كان ممرضه الخاص الذي عرفه عن كثب: "في أحد الأيام كاد سمعان أن يختطف بالروح وأنا أقرأ له صلاة القديس اغسطينوس إلى الله، فهممت بأن اشغله عن هذا الموضوع. كان يردد بصوت خافت ولكن باندفاع ملموس: أجمل بها، أجمل بها! السماء السماء! 

وفي 19 تشرين الثاني عاد إلى ديره من غير أن تعود إليه صحته النضرة.

أطلت عليه سنة 1941 بانحرافات متواترة فتأخرت صحته من سيء إلى أسوء، فبعد رجوعه إلى بيت جمال لم يعد يقوم بأشغاله المألوفة لانهيار قواه المتزايد. وخلال سنة 1942 أخذ بعض الدم ينزف من صدره وهو منصرف إلى عيشة الاختلاء والانفراد يقضي معظم أوقاته في غرفته أو في الكنيسة.

سنة 1943 كانت سنته الأخيرة في حياته على الأرض. ففي اليوم التاسع من آذار لم ينهض من سريره لانحطاط في قواه. 

في شهر تشرين الثاني انقطع عن النهوض من سريره نهائيا. وفي الثاني والعشرين انتابه نوبة أزمة شديدة فاستدعى الرئيس طبيب المدرسة الشهير، الألماني الأصل، فوصف له هذا ابر المعالجة وشتى الأدوية، غير أنه صارح الأب رودولف فراي الذي كان يرافقه بأن ذلك لا يجدي كله فتيلا، فقد فات الأوان. 

في 27 من تشرين الثاني قد انتقل إلى ربه في أثناء الليل، وقد وجده الممرض في سريره جثة هامدة وهو في نورانية القداسة: كانت يداه على صدره شكل من يصلي، وجهه يشرق نورا وبشرا وهو قد غادر دار الفناء هذه لدار البقاء التي طالما اشتاق إليها في حياته.

كانت جنازته في 28 من تشرين الثاني بمثابة موكب فخم بهيج ورغم عدم مشاركة الجماهير في توديعه بسبب نشوب الحرب، فقد وافى ممثلو ديري بيت لحم وكريمزان والتف حوله المسيحيون والمسلمون في تأدية الشكر الخالص الطوعي لمن كان إليهم المحسن الكبير.

إن المحكمة الكنسية التي بدأت بحث قداسته لدى البطريركية اللاتينية في أورشليم سنة 1944 قد أتمت هذا البحث بنجاح في 1965/11/28 بإشراف غبطة البطريرك البيرتو غوري. وعلاوة على ذلك فقد بدت علامات قدرته بناءً على شفاعته.

وبانتظار الكلمة الفاصلة لأمنا الكنيسة، ما علينا إلا أن نقتدي بفضائله ملخصة في كلمات محفورة على قبره:


"مواطن المسيح رآه في كل مكان

باذلا نفسه عن الجميع في كل شيء

ليمثله في شخصه صورة وديعة متواضعة

للسامري الصالح"


وليتمجد الله في قديسيه. آمين